شاهدت اليوم فلم عمر المختار او " اسد الصحراء " الذي قام ببطولته الممثل انطوني كوين , لم تكن المرة الاولى التي اشاهده فيها فالفلم كما هو معروف فلم قديم , ما جذبني هذه المرة هو الثنائية الابدية بين الحرب والسلم التي نعيشها وتقسمنا اليوم كما لم تفعل من قبل , ان من يعيش وارضه محتله يملك خيارين فأما ان يحارب العدو بامكانياته المتواضعة - فهي لو لم تكن متواضعة لم تكن لتحتل ارضه ابتداء - او ان يرضخ ويستسلم من اجل العيش المريح نسبيا فلا راحة والارض محتلة , هذه الثنائية يعيشها اهل فلسطين والعراق وكثير من البلدان الاخرى فهناك من يرى ان الحرب واجبة بغض النظر عن مدى الفرق بين القوى فالمسألة مسألة مبدأ, وهناك من يرى انه يجب مسايسة العدو حتى يصبح في وضع يسمح له بالمجابهه , وهناك اقلية ترى ان الاستسلام الكامل ممكن مقابل شيء ما وهؤلاء بأمكانهم بيع اي شيء بمقابل !, نحن اليوم بين الفئتين الاوليين , في الفلم نرى كيف تم احتجاز الاهالي وتعذيبهم في معسكرات الاعتقال وقد تم عرض صور حقيقية توضح هذه المعسكرات التي تحتوي على الالف الخيم من الرهائن, واعتقد ان عمر المختار لم يكن يتوقع انه سينتصر على ايطاليا ذاك الحين بقواه الضعيفة , وقد قالها على لسانه الممثل حينما وقع في الاسر , عندما سألة الجنرال غرازياني قائلا : هل كنت تظن انك ستنتصر علينا بقواتك المتخلفة ؟ فأجابه : لا ولكننا قاتلناكم !
هذا بالضبط ما قاله الشهيد الاخر وهو " يوسف العظمة " الذي كان يعلم بأنه في ذهابه لمواجه الفرنسيين فأنه يقوم بعملية انتحارية , ولكنه لم يكن ليقبل بتسليم دمشق بدون قتال , وما اكبر الاهانة في ذلك فقال للملك فيصل في حينها ملك سوريا:
لا يسلم الشرف الرفيع من الاذى …… حتى يراق على جوانبه الدم
وفعلا فقد استشهد هو واربعمائة شهيد من جنوده في معركة ميسلون الشهيرة , ان هؤلاء العظماء لم يختاروا الموت لانهم لا يقدرون قوى الطرف الاخر ولا لانهم اغبياء كما يعتقد اعدائهم ولا لانهم مغرورون تعجرفون يرفضون الرضوخ لاحد , وانما السمألة مسألة مبدأ , فنحن وعلى قلة قدرنا امام هذه القمم العالية نواجه في ضروف الحياة قرارات قد تتطلب المساومة على مبدأ, وبالرغم مما قد تبدو لنا قراراتنا ساذجة امام قرارات مصيرية مثل قرارات عمر ويوسف بالحرب او السلم , ولكنها لا تختلف في روحها عن تلك القرارات , ان الاصل في الامر هو القبول بالمساومة, اننا يمكننا ان نكذب كذبة صغيرة من أجل اخراج انفسنا من وضع محرج , كأن تكذب على مديرك في العمل وتقول انك لم تحضر للدوام لانك كنت مريضا في حين انك كنت نائما , نعم هي كذبة صغيرة ولكنها لا تنفي عنك صفة الكاذب !,كذلك هي في كل الامور.
نعود للفلم فبعد ان اعتقل الطليان عمر المختار قاموا بعمل محاكمة وتعيين محامي من اجل محاكمته بالخيانة العضمى !, فأن تحتل بلدا وتقتل به الاسرى والاطفال والنساء ,ليست مشكلة , لكنها مشكلة ان تقتل عمر المختار بدون محاكمة , هي بالضبط كالمسرحية التي نشاهدها في العراق اليوم, هذا هو المبدأ الغربي , نعم قد يصعب علينا فهمه ولكنه مبدأ !
والمساومة كذلك مبدأ وكلنا نقع فيها وهي في الحياة شر لابد منه, ولكنها تنقسم لقسمين فمنها ماهو موازنة ومنها ماهو مساومة, لا اريد ان ابدو وكأني بدأت المساومة على مسألة المساومة , ولكن موازنة المصالح طبيعة بشرية فأن تتخلى عن حلم كنت تحلم او فكره بتنفيذها , فهذه موازنة, اما ان نرضى مثلا بالعمل كمترجم للمحتل لارضنا فهذه مساومة , ولا اعتقد ان هذا الفرق يحتاج لدراسة فمجرد ما يبدأ ضميرك بالوخز فاعلم انك قد دخلت محيط المساومة.
عندما تم اسر عمر المختار تذكر اسر صدام حسين واسر ابو فراس الحمداني , فهل يعتبر الاسر عار على المأسور لانه لم يقاتل حتى الموت كما هي الفكرة التي عند اليابانيين ولها صدى في كل الحضارات , يقول ابو فراس :
أسرتُ وما صحبي بعزلٍ، لدى الوغى ،
ولا فرسي مهرٌ ، ولا ربهُ غمرُ !
و لكنْ إذا حمَّ القضاءُ على أمرىء ٍ
فليسَ لهُ برٌّ يقيهِ، ولا بحرُ !
وقالَ أصيحابي: " الفرارُ أوالردى ؟ "
فقُلتُ: هُمَا أمرَانِ، أحلاهُما مُرّ
وَلَكِنّني أمْضِي لِمَا لا يَعِيبُني،
وَحَسبُكَ من أمرَينِ خَيرُهما الأسْرُ
يقولونَ لي: " بعتَ السلامة َ بالردى "
فَقُلْتُ: أمَا وَالله، مَا نَالَني خُسْرُ
و هلْ يتجافى عني الموتُ ساعة ً ،
إذَا مَا تَجَافَى عَنيَ الأسْرُ وَالضّرّ؟
هُوَ المَوْتُ، فاختَرْ ما عَلا لك ذِكْرُه،
فلمْ يمتِ الإنسانُ ما حييَ الذكرُ
و لا خيرَ في دفعِ الردى بمذلة ٍ
كما ردها ، يوماً بسوءتهِ " عمرو"
يمنونَ أنْ خلوا ثيابي ، وإنما
عليَّ ثيابٌ ، من دمائهمُ حمرُ
و قائم سيفي ، فيهمُ ، اندقَّ نصلهُ
وَأعقابُ رُمحٍ فيهِمُ حُطّمَ الصّدرُ
سَيَذْكُرُني قَوْمي إذا جَدّ جدّهُمْ،
" وفي الليلة ِ الظلماءِ ، يفتقدُ البدرُ "
فإنْ عِشْتُ فَالطّعْنُ الذي يَعْرِفُونَه
و تلكَ القنا ، والبيضُ والضمرُ الشقرُ
وَإنْ مُتّ فالإنْسَانُ لا بُدّ مَيّتٌ
وَإنْ طَالَتِ الأيّامُ، وَانْفَسَحَ العمرُ
ولوْ سدَّ غيري ، ما سددتُ ، اكتفوا بهِ؛
وما كانَ يغلو التبرُ ، لو نفقَ الصفرُ
وَنَحْنُ أُنَاسٌ، لا تَوَسُّطَ عِنْدَنَا،
لَنَا الصّ
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ