اقلب اليوم اوراقي ووجدت صفحة من جريدة الحياة مؤرخة 30 يوليو 2008 العدد 16553
تحتوي على اخر قصائد نزار قباني وهي لم تكن منشوره في حينها فنشرها اولاده هدباء وزينب وعمر في ديوان بعنوان ابجدية الياسمين……
كتبت هذه القصائد في المستشفى حيث كان نزار يخطها وكأنما يودع بها العالم حيث داهمته الافكار في احلك الظروف فلم تمهله الوقت فخطها حتى على اوراق الصيدلية كما ترون
اخترت منها لكم : تعب الكلام من الكلام
لم يبقَ عندي ما أقولُ.
لم يبقَ عندي ما أقولُ.
تعبَ الكلاَمُ من الكَلامِ…
وماتَ في أحداق أعيُننَا النخيلُ…
شَفَتايَ من خَشَبٍ…
ووجهُكِ مُرْهَقٌ
و… ما عَادَت تُدَقُّ لهُ الطُبولُ!!
- 2 -
لم يبقَ عندي ما أقولُ.
الثلجُ يسقطُ في حديقتنا
ويسقطُ من مشاعِرنا…
ويسقُط من اصابعنا…
ويسقطُ في الكُؤوسِ
وفي النبيذِ…
وفي السريرِ
فأينَ هوَ البديلُ؟!
- 3 -
لم يبقَ عندي ما أقولُ.
يَبسَت شرايينُ القصيدة…
وانتهى عصرُ الرتابةِ… والصبابةِ…
وانتهى العُمرُ الجميلُ!…
- 4 -
الشِعرُ غادرني
فلا بحرٌ بسيطٌ… أو خفيفٌ… أو طويلُ…
والحب غادرني
فلا قمرٌ…
ولا وترٌ…
ولا ظِلُّ ظليلُ…
- 5 -
لم يبقَ عندي ما أقولُ.
لم يبقَ في الميدان فُرسانٌ…
ولا بقيتْ خُيُولُ…
فالجِنسُ صعبٌ…
والوصُولُ الى كُنوزِكِ مُستحيلُ!!…
والنهدُ يقتُلُني…
ويزعمُ أنه الطرفُ القتيلُ!!
والموجُ يرفعني… ويرميني… كثورٍ هائجٍ…
فلأيِّ ناحيةٍ أميلُ؟؟
ماذا سيبقى من حصانِ الحُبِّ…
لو ماتَ الصهيلُ؟؟
- 6 -
لم يبقَ شيءٌ في يدي…
هربت عصافيرُ الطفولةِ من يدي…
هربت حبيباتي…
وذاكرتي…
وأَقلامي…
وأُوراقي…
وأقفرتِ الشواطئ… والحقولُ…
- 7 -
لم يبقَ عندي ما أقولُ
طارَ الحمامُ من النوافذِ هارباً…
والريش سافرَ… والهديلُ…
ضاعت رسائلنا القديمةُ كلها…
وتناثرت أوراقُها.
وتناثرت أشواقُها.
وتناثرت كلماتها الخضراءُ في كلّ الزوايا…
فبكى الغمامُ على رسائلنا…
كما بكتِ السنابلُ…
والجداولُ…
والسُهُولُ…
- 8 -
عيناكِ تاريخانِ من كحلٍ حجازيٍ…
ومن حُزنٍ رماديٍ…
ومن قلقٍ نسائيٍ…
فكيف يكونُ، سيّدتي الرحيلُ…
إنّي أفرُّ الى أمامي دائماً…
فهل ابتعادي عنكٍ، سيدتي وصُولُ؟…
ماذا سأفعلُ كيف أفكّ سلاسِلي؟
لا الشِعرُ يجديني… ولا تُجدي الكحولُ!!…
- 9 -
لم يبقَ شيءٌ في يدي.
كلُّ البُطولاتِ انتهت…
والعنترياتُ انتهت…
ومعاركُ الإعرابِ… والصرفِ… انتهت…
لا ياسمينُ الشام يعرفُني
ولا الأنهارُ. والصفصافُ… والأهدابُ… والخدُّ الأسيلُ…
وأنا أحدِّقُ في الفراغِ…
وفي يدَيكِ…
وفي أحاسيسي…
فيغمرُني الذُهولُ…
- 10 -
أرجوُ السماحَ…
إذا جلستُ على الأريكة مُحبطاً.
ومُشتتاً…
ومُبعثراً…
أرجُو سماحكِ…
إن نسيتُ بلاغتي…
لم يبقَ من لُغَةِ الهوى إلا القليلُ!!
طعنوا العروبة في الظلام بخنجرٍ لا تَسأليني،
يا صديقةُ، مَنْ أنا؟
ما عُدْتُ أعرفُ…
- حينَ اكتُبُ -
ما أُريدُ…
رَحلتْ عباءَاتٌ غزَلتُ خُيُوطَها…
وتَمَلمَلَت منّي
العُيُون السُودُ…
لا الياسمينُ تجيئُني أخبارُهُ…
أمَّا البَريدُ…
فليسَ ثَمَّ بَريدُ…
لم يَبقَ في نَجدٍ… مكانٌ للهوى
أو في الرَصَافَةِ…
طائرٌ غِرِّيدُ…
- 2 -
العَالَمُ العربيُّ…
ضَيَّعَ شعرَهُ… وشُعُورهُ…
والكاتبُ العربيُّ…
بينَ حُرُوفِهِ… مَفْقُودُ!!
- 3 -
الشعرُ، في هذا الزمانِ…
فَضِيحةٌ…
والحُبُّ، في هذا الزمانِ…
شَهيدُ…
- 4 -
ما زالّ للشِعر القديمِ
نضارةٌ…
أما الجديدُ…
فما هناكَ جديدُ!!
لُغةٌ… بلا لُغةٍ…
وجوقُ ضفادعٍ…
وزوابعُ ورقيّةٌ
ورُعُودُ
هم يذبحونَ الشِعرَ…
مثل دجاجةٍ…
ويُزّورونَ…
وما هناكَ شهودُ!!
- 5 -
رحلَ المُغنون الكِبارُ
بشعرِنا…
نفي الفرزدقُ من عشيرتهِ
وفرَّ لبيدُ!!
- 6 -
هل أصبحَ المنفى
بديلَ بيُوتنا؟
وهل الحمامُ، مع الرحيلِ…
سعيدُ؟؟
- 7 -
الشعرُ… في المنفى الجميلِ…
تحرّرٌ…
والشِعرُ في الوطنِ الأصيلِ…
قيودُ!!…
- 8 -
هل لندنٌ…
للشعرِ، آخرُ خيمةٍ؟
هل ليلُ باريسٍ…
ومدريدٍ…
وبرلينٍ…
ولُوزانٍ…
يبدّدُ وحشتي؟
فتفيضُ من جسدي
الجداولُ…
والقصائدُ…
والورودُ؟؟…
- 9 -
لا تسأليني…
يا صديقةُ: أين تبتدئ الدموعُ…
وأين يبتدئ النشيدُ؟
أنا مركبٌ سكرانُ…
يُقلعُ دونَ أشرعةٍ
ويُبحرُ دون بُوصلةٍ…
ويدخُلُ في بحار الله مُنتحراً…
ويجهلُ ما أرادَ… وما يريدُ…
- 10 -
لا تسأليني عن مخازي أُمتي
ما عدتُ أعرفُ - حين أغضبُ -
ما أُريدُ…
وإذا السيوفَ تكسرت أنصالُها
فشجاعةُ الكلماتِ… ليس تُفيدُ…
- 11 –لا تسأليني…
من هو المأمونُ… والمنصورُ؟
أو من كان مروانٌ؟
ومن كانَ الرشيدُ؟
لا تسأليني…
أيامَ كان السيفُ مرفوعاً…
وكان الرأسُ مرفوعاً…
وصوتُ الله مسموعاً…
وكانت تملأ الدنيا…
الكتائبُ… والبنودُ…
واليومَ، تختـــجلُ العروبة من عروبتنا…
و













4(.gif)
















